أحمد بن محمد القسطلاني

439

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الحديث أريد به ما هو أخص من ذلك ؛ وهو الجماع ، وهذا الذي فسر به الآية موافق لتفسير ابن عباس ، ومشى عليه البيضاوي وغيره ، فقال { وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } [ الأنعام : 113 ] وسقط في رواية الحموي والمستملي ، وثبت في رواية الكشميهني . 73 - باب الصَّلاَةِ عَلَى الشَّهِيدِ ( باب ) حكم ( الصلاة على الشهيد ) وهو : المقتول في معركة الكفار ، لو كان امرأة ، أو رقيقًا ، أو صبيًا ، أو مجنونًا . وقد خرج بالتقييد : بالمعركة ، من جرح وعاش بعد ذلك حياة مستقرة ، وخرج من سمي شهيدًا بسبب غير السبب المذكور كالغريق ، والمبطون ، والمطعون ، فتسميتهم شهداء باعتبار الثواب في الآخرة ، فقط . 1343 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ : أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ " . [ الحديث 1343 - أطرافه في : 1345 ، 1346 ، 1347 ، 1348 ، 1353 ، 4079 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ، قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الفهمي ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ) الأنصاري السلمي ( عن جابر بن عبد الله الأنصاري ) ، رضي الله عنهما ، قال الحافظ ابن حجر : كذا يقول الليث ، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن ، عن جابر . قال النسائي : لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك ، ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن ثعلبة . فذكر الحديث مختصرًا . وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق ، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحرث ، كلهم ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن ثعلبة ، وعبد الله له رؤية ، فحديثه من حيث السماع مرسل . وقد رواه عبد الرزاق عن معمر ، فزاد فيه جابرًا ، وهو مما يقوي اختيار البخاري ، فإن ابن شهاب صاحب حديث ، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين ، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة . وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر ، رواه أسامة بن زيد الليثي ، عنه ، عن أنس ، أخرجه أبو داود والترمذي . وأسامة سيئ الحفظ ، وقد حكى الترمذي في العلل عن البخاري : أن أسامة غلط في إسناده وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري ، عن ابن شهاب ، فقال : عن عبد الرحمن بن كعب ، عن أبيه : وابن عبد العزيز ضعيف . وقد أخطأ في قوله : عن أبيه ، وقد ذكر البخاري فيه اختلافًا آخر كما سيأتي بعد بابين اه - . ( قال ) أي : جابر : ( كان النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يجمع بين الرجلين من قتلى ) غزوة ( أحد في ثوب واحد ) إما بأن يجمعهما فيه ، وإما بأن يقطعه بينهما . وقال المظهري قوله : في ثوب واحد ، أي في قبر واحد ، إذ لا يجوز تجريدهما في ثوب واحد بحيث تتلاقى بشرتاهما ، بل ينبغي أن يكون على كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم ، وغيرها . ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد ، ( ثم يقول ) عليه الصلاة والسلام : ( أيهم ) أي : أي القتلى . وللحموي والمستملي : أيهما ، أي : أي الرجلين ( أكثر أخذًا للقرآن ؟ ) بالنصب على التمييز في : أخذًا ( فإذا أشير له ) عليه الصلاة والسلام ( إلى أحدهما قدمه في اللحد ، وقال ) عليه الصلاة والسلام ( أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ) . قال المظهري : أي : أنا شفيع لهؤلاء ، وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم ، وتركوا حياتهم لله تعالى . اه - . وتعقبه الطيبي : بأن هذا الذي قاله لا يساعد عليه تعدية الشهيد بعلى ، لأنه لو أريد ما قال لقيل : أنا شهيد لهم ، فعدل عن ذلك لتضمين : شهيد ، معنى : رقيب وحفيظ ، أي : أنا حفيظ عليهم ، أراقب أحوالهم وأصونهم من المكاره ، وشفيع لهم ، ومنه قوله تعالى : { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [ المجادلة : 6 والبروج : 9 ] { كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [ المائدة : 117 ] . ( وأمر ) عليه الصلاة والسلام ( بدفنهم في دمائهم ، ولم يغسلوا ، ولم يصل عليهم ) بفتح اللام ، أي : لم يفعل ذلك بنفسه ، ولا بأمره . وعند أحمد أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : لا تغسلوهم ، فإن كل جرح ، أو كلم ، أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة . ولم يصل عليهم ، والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم ، والتعظيم لهم ، باستغنائهم عن دعاء القوم ، وقد اختلف في الصلاة على الشهيد المقتول في المعركة ، فمذهب الشافعية ، أنها حرام وبه قال مالك ، وأحمد ، وقال بعض الشافعية : معناه لا تجب عليهم لكن تجوز . وفي هذا الحديث :